الفيض الكاشاني

344

أنوار الحكمة

نور سريّ [ ما هو الصراط ] قد علمت أنّ لكلّ إنسان من ابتداء حدوثه إلى منتهى عمره انتقالات جبليّة وحركات طبيعيّة اشتداديّة ، لا يزال ينتقل من صورة إلى صورة حتّى يتّصل بالعالم العقلي ويلحق بالملإ الأعلى - إن ساعده التوفيق - أو يحشر مع الشياطين والحشرات في عالم الظلمات - إن وولّاه الطبع والشيطان وقارنه الخذلان . فأول ما اقتضت النفس هو تكميل نشأتها الحسيّة وتعمير هذا القالب ، ليكون مسكنا لقواها ومعسكرا لجنودها ، ثمّ إذا كملت هذه النشأة وعمّرت هذه المملكة وقويت جنودها أخذت في تحصيل نشأة ثانية ومنزل آخر ، فتوجّهت إلى عالم آخر هو أعلى من هذا العالم وأشرف وأقرب إلى بارئها . فهذا هو معنى صراط اللّه الذي فطر عليه الخلق ، فالاستقامة عليه والتثبّت فيه هو الذي أراده اللّه من عباده وأرسل لأجله « 1 » رسوله إليهم ، كما قال : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [ 42 / 52 - 53 ] . والانحراف عنه يوجب السقوط عن الفطرة والهويّ إلى جهنّم التي قيل لها : هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ 50 / 30 ] . فالصراط المستقيم - الذي إذا سلكت أوصلك إلى الجنّة هو صورة الهدى التي أنشأته لنفسك - ما دمت في عالم الطبيعة - من الأعمال القلبيّة ، فهو في هذه الدار معنى كسائر المعاني الغائبة عن الحواسّ ، لا يشاهد له صورة حسيّة ، فإذا انكشف غطاء الطبيعة بالموت ، يمدّ لك يوم القيامة جسرا محسوسا على متن جهنّم ، أوّله في الموقف وآخره على باب الجنّة ، يعرف من يشاهده إنّه صنعتك وبناؤك ، ويعلم أنّه قد كان في الدنيا جسرا ممدودا على متن جهنّم

--> ( 1 ) النسخ : وأرسله لأجله . ( التصحيح على السياق ) .